اقسـام المنتدى

المكتبة



  ذات صلة في الشبكة

الوحدة العلمية

الوحدات ذات الطابع الخاص

السكرتارية

شوون الطلبة

الاعلام والصحافة

الارشيف





  تطبيق icg        
  تطبيق البصمة الذكية     

شهد العقدُ الأخير من القرن الفارط نزوحَ قوافل عراقية إلى خارج وطنها المُستلَب؛ نتيجة الظروف القاهرة التي فُرِضت عليه. وكان نصيب النخب من هذا البلاء نصيبا معلوما، فقصدوا أماكن كثيرة بحثا عن المناخ الفكري والمأوى الاقتصادي، الذي يحفظ لهم كيانهم المهدور وقتذاك. وفي الشتاء المنصرم وعندما كنت أدرّس العربية لطلبة المرحلة الأولى بقسم الجغرافية بكلية التربية ابن رشد، جمعتني ظروف العمل بعراقي عائد إلى حضن الوطن بعد طول سفر وغربة، وهو الدكتور سعد الدرّاجي رئيس القسم حينذاك، وقد لمست منه تعاهده الشعر الشعبي، وإسهامه قبل خروجه من الوطن بنشر قصائد متعددة في الصحف الأسبوعية التي اهتمت بالشعر الشعبي. ومنها تلك التي حرّرها الشاعر عريان السيد خلف في صحيفة الزمن. والشاعر حسن الخزاعي في جريدة الإعلام، والشاعر كاظم اسماعيل كاطع في صحيفة نبض الشباب، فضلا عن مشاركته الخارجية بالنشر في صحيفة شيحان الأردنية. وقد أوقفني على ديوانين من نظمه هما: (غربة وشوق)، و(ظنيتك وفي)، أظهرا تجربتين شعريتين متنوعتين، مثلّت الأولى صورة غربته بليبيا، والأخرى صورة اغترابه بالعراق. فكان أن تجمّعت لدي هذه المتون التي حملت أنفاس الشاعر المتوافرة على محوري (الغربة والاغتراب)، فوقع العزم على محاورة أولهما هنا، ويبقى لآخرهما حديث في متون قادمة بإذن الله تعالى. شمل ديوان (غربة وشوق) تسع عشرة قصيدة، حملت أغلبها عنوانات غربته، وما بقي منها مثّل نوازعه الوجدانية، وهذه القصائد هي: (أحلى الذكريات، وعيد الميلاد، وتوصيني، والسفر صعب جدا، وحبيبي أصبر، وحلم مشوارك، وغربة، وموازيني، وحيرانة، واذكريني، وياليل، والعيد، وغلطان، وحزينة، ومهما يطول البعد، ليش يادنيا، وماكو أمان، وبغداد). وكما هو معلوم فإن لهذه العنوانات دلالاتها في النصوص، بوصفها تنتمي إلى ما تعنيه الذات، وما تفتحه من آفاق المعاني التي أجلّت مشاهد الغربة شعريا، التي أوردها بطبيعة إنسيابية، وتجرّد من التعقيد اللغوي، وعدم الإغراق المجازي، وقرب من واقع معاش نفذ إلى رؤيته وفلسفته حول ذاته ومجتمعه. وقد قدّمها سهلة وواضحة وطيّعة، بما جسّد ثقافته الفردية والوجدانية، التي أطلّت بغربتها منذ أول قصائده (أحلى الذكريات) قائلا: ذكرياتك ياحبيبي عذبتني من بعيـد ذكرياك مرمرتني وخلّت جروحي تزيـد وخلت عيوني تراقب دوم صندوق البريـد ذكرياتك ياحبيبي اتشيّـب الطفل الوليد وتمضي الأيام وتعدي وربك إيسوي اليريد فهنا عرض ذكرياته صورةً لوجدانه، الذي اكتوى بنار الغربة وفراق الحبيب، وكان له أن يردد (الذكريات) أكثر من مرة، في هذا الحيز الشعري؛ ليحمل رغبة الذات التي تتوقى أيام المحبوب، والتي ينشدها وهو بعيد عنه، ولكنها لا تنزوي عند هذه الرغبة فقط، بل تحمل في طياتها توجّها إلى المجتمع، الذي يأمل أن يحمل ذكريات منغمسة في الذات الغريبة عن حبيبها، وهو الأمر الذي تواتر في أكثر من قصيدة، بما يشعرنا بتغليبه للمثير الوجداني لتهدئة أنين غربته، ولكنه يتجاوز ذلك بتجلّد واضح اعتمد على مشيئة الله تعالى، التي تفعل ما تريد فرُبّ لقاء بعد فراق؛ ليؤكّد أن ذاته تتجاوز ما بداخلها أمام المجتمع الليبي الجديد عليه، الذي أخذ مساحة من التعبير عن هموم الغربة، فيقول: ابذكرياتك ياحبيبي تبقى شامخ كالنخيل وكلشـــــي يتحرك بذهني وانت ثابت ما تميل ولنك إبالي حبيبي نهـر من عيني يسيل وهنا يبرز بناء الفكرة الأساسية لغربته على تصور محسوس لجور الزمان، وفلسفة الفراق التي تعنى بمعالجة نظرات الفرد الوحيد، والتي تدور حول مسميات مودَّعة، اختزلها في رؤية شاملة تتصدى لتفسير كراهية السفر، حيث صعوبته التي تنوخ على الإنسان والمجتمع والطبيعة. فما من بد بعد ذلك عندما ركن إلى صفة الوفاء المُفارَقة التي اعتلت عنوان الغربة، وهو ما ينسب لطبعه الغالب عليه؛ لأن (السفر صعب جدا)، كما يقول: السفر صعب جدا ووداعك الأصعب لأن طبعـك وفي وطبع الوفا ينحب فسحب هذا الرأي نحو تلك الفلسفة الإنسانية، التي مخضت ضياع الأنموذجات المرموقة التي تبحث عنها، فكيف الحال بها وهي تضطر إلى وداعها، فما كان من الطرف الآخر إلا أن يجيبها في قصيدته (حلم مشوارك): خليني ورق تكتب رسايل بيه حتى أشهد وأشوف اشتكتب أقلامك خليني جليسك من تبعد عليك الدار وتصد عنك هلك واخوتك واعمامك خليني أفصّل عمري كلّه شموع من تحتاج شمعـه أمسي كدّامك هنا يصل الشاعر إلى توصيف شامل لترياق الغربة، ويلحظ عليه الركون إلى الجمع بين الصور المجازية والصور الواقعية ذات البعدين الحسي والمعنوي، ليرسي معالم حياته في مجتمع آخر يختلف بطريقة تعامله، بتصويره لحال الأهل والاخوة والأعمام، وهو ما كثر الحديث عنه في شعره؛ وسببه تفكيره العشائري الملازم له بوصفه من زعماء عشيرته، فكان دائم التفكير في ما يجب أن تكون عليه معيشة الناس في المجتمع، وسلوكه إزاء هم التحوّل؛ لأن أغلب أفكاره ستتشظى تبعا لحياة الغربة في المجتمع الليبي، ذلك الضياع بين قوم لا يرتبط معهم بذكريات طفولة أو صبا، ما يوهن تماسكه واندماجه معهم، وعلى هذا النسق تكون لديه تصور اجتماعي، نشر أفكاره في مرحلة لاحقة كانت أكثر عمقا وتغيرا، كما تظهره أبيات من قصيدته (موازيني)، وفيها يصف فيها الأيام الحوالك التي ذاق غصتها: عشت بيها غريب بدنيتي لوحدي وحسبة تجيبني وحسبة توديني لا عندي صديق اتسامر آني وياه ولا يمّي حبيبي اللي يواسيني خلّه اشما يريد ايقول خلي ايقول ما يدري الزمن غيّر موازيني هذه الأبيات تلقي الضوء على منهجية الشاعر، التي تحدد خطواته وحركاته في الغربة، وقد أدرك بذاته تلك النظرات التي كان المجتمع يوجهها إليه، عندما قاربها شعريا، وقد حاكى فيها الواقع اليومي المعاش، الذي حاصره بالغربة حيث لا أهل ولا وطن ولا سكن، وما زاد الأمر حرجا هو نظرة الظن التي تشعره بقساوة الحكم، الذي يصدر نحوه بما يمحق حقيقة شخصيته، وما يحسّه من أحاسيس الغربة الجيّاشة بداخله، مأخوذا بسحر البلاد التي ترك فيها الحبيب، فحاول أن يتخلّص من سلطتها، وثقل شحناتها بظهوره مظهر اللامبالي. وهكذا يهرب من غربته إلى (الليل) يناديه في قصيدة تحمل اسمه عنوانا؛ علّه يسعفه: يا ليل طال الوكت وطـال العتاب وياك ومليّت من وحشتـك ومليـّت من طـرواك ماريد جيتك بعد وقررت آني أنساك انت تجـي بقسوتك و آني حبيبـي إهنـاك ولو ردت نرجـع ربع جيب الحبيب وياك نجد في مناجاته لليل صورة الوحشة التي تلازمه، وقد عرض فيها صورة المرأة التي طرقها في الغربة، بما يعني الآخر الوجداني الذي طالما تغنى به الوجدان العربي شعريا، وحملها أدبيات نسقه المنفتح على غربة العراقي عندما يسدل عليه الليل، وأتبعها بصورة مجازية شجية حملت على أكتاف الجملة شرطية (ولو ردت نرجع ربع...جيب الحبيب وياك)، رسّخت استكناه حاجة الغريب المُهيمن، واوضحت إمكانية خروجه عن تقريع ليل الغربة عند عودة الحبيب، وهو ما لايتحقق في واقعه البعيد عن ذلك المحبوب، ولكنه استنهاض ذاته في عالمه المتخيّل؛ لدفع ضغط الغربة المتهالك. هكذا وجدنا حضور الحبيب في شعر الغربة ضامنا تماسكه وتجلّده، وتفشّى ذلك في أكثر من موضع، التزم به ما يدل على رسوخ الذات المغتربة، كما قال: مهما يطول البعد تبقى أنت بعيوني واحميك وسط القلب واحميـك بجفوني وخل تردي كلّ البشر وخلهم يسمعوني أهواك مهما ابعـدت والكل يعـرفوني ومن أجل حبي إلك كلهم يكرهوني نجاح الشاعر في البوح عن مشاعره نحو الحبيب في دار غربته، تمّ في عملية واعية ذات مناخ وجداني، أعادت الروح إليه، وهو يظهر ذلك الصمود الذي يحاول قذفه في الوعي الجمعي المضاد، في التفاتة واضحة على دار غربته، ونزوعه إلى مناطق التحدي التي تستشري، محدثة عودة الذات إلى نسقها الثقافي والاجتماعي، بعودة الذكريات حول صورة المرأة، وإن كانت غير حاضرة ومتجذّرة بمنظومة أخلاقية تسكن ذاكرة العراقي الذهنية والسلوكية. فلم يكن غريبا عليه أن يخاطب (بغداد): أجيت بلهفة آني شوك من الغربــة و مآسيها أجيت وكاصد لبغداد الحبيبة الآكيها أجيت ورايح أخبرها وآني هناك أحاجيها فالشاعر يُحمِّل واقعه مشهد الانعتاق من ألم غربته، حينما استعمل تلك النقلة المكانية، واختيار هذه النعوت بعدما قطع الفيافي، واجتاز العالم الذي خلّفه وراء ظهره، إلى بغداد يحلم بها ويعمل لوهجها؛ لأنها تنتقله إلى دنيا الأحبة http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=29960